أصول الدِّيْن

الإِيْمَانُ بِالله
سبحانه وتعالى
الشيخ علي فقيه
الإيمان بالله عز وجل
قبل أن يبحث الإنسان عن أي أمر في هذه الدنيا، وقبل أن يغوص في أعماق أية فكرة، وقبل أن يعمل على إثبات شيء ونفي شيء آخر لا بد له أولاً من البحث عن أصل الوجود وإثبات الصانع سبحانه وتعالى، لأن أية انطلاقة هي ناقصة ما دامت لم تنطلق من الأصل.
وهذا يعني أن الإيمان بالله عز وجل ضرورة من ضروريات الحياة، هذا بالإضافة إلى كون الأدلة الكاشفة عن أصل الوجود أكثر من أن تُحصى، ونحن بدورنا لنا عقدية متينة وثابتة في الخالق عز وجل، إننا نعتقد بأن الله تعالى هو الموجد للكائنات، وهو الذي كان قبل كل شيء بحيث لم يكن قبله شيء، وهو الذي خلق عالم الوجود، وهذا ما يظهر لنا من آثار عظمته وعلمه وقدرته في جميع الموجودات؛ بدءاً من المجرات ووصولاً إلى الذرّة.
كما وأننا نعتقد أننا كلما تدبرنا في أسرار الكائنات أدركنا عظمة ذاته وسعة علمه وحجم قدرته، وكلما تقدم العلم فتحت أمامنا أبواب كثيرة من علمه وحكمته.
قال سبحانه: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)
وقال تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)
الأدلة على وجود الصانع سبحانه
إن الأدلة على وجود الله عز وجل كثيرة ومتنوعة ومنتشرة في الداخل والخارج وفي كل مكان وزمان، فمن أرادها وجدها، وهنا سوف نذكر أهم الأدلة على وجود الصانع، وهي ثلاثة:
الدليل الأول: دليل الأثر:
وفحوى هذا الدليل هو أنّ الأثر يدلّ على المؤثر، وهو من أبسط الأدلة على إثبات الصانع، فالسماء والأرض والجبال والحيوان والنبات والإنسان لو تجرد العقل في التفكر بها لوصل إلى النتيجة القائلة: لكل أثر مؤثِّر ولكل مخلوق خالق: وهذا من الأدلة العقلية الواضحة والقواعد الثابتة التي تؤكد احتياج كل معلول إلى علة، بحيث أنّ أحداً لا يستطيع أن ينكر هذه الحقيقة إلا بالعناد، والعناد هو الإنكار بعد المعرفة.
الدليل الثاني: برهان النظم:
وهو أن العقل عندما يرى هذا النظام الدقيق في الخَلق يحكم مباشرة بأنه لا يمكن أن يصدر ذلك إلا من فاعل عاقل قادر حكيم، وهذا الخلق العظيم والنظام الدقيق إما أن يكون ناشئاً من الصدفة، وهو أمر يرفضه العاقل، وإما أن تكون يد القدرة هي التي أوجدته وصنعته ووضعت له الأنظمة المناسبة، وهذا ما يقر به العقل.
الدليل الثالث: دليل الإمكان:
وهو أن جميع الكائنات تعود إلى موجود هو واجب الوجود قد أوجدها من العدم وأعطاها صورها وكيفياتها العامة والخاصة.
الصفات الثبوتية والصفات السلبية
قسّم علماء الكلام صفات الله تعالى إلى ثبوتية وسلبية:
أما الأولى: فهي التي تثبت جمال الموصوف في ذاته وفعله، مثل العِلم والقدرة والحياة، وتسمى هذه الصفات أيضاً (الصفات الجماليلة) وهي تنقسم إلى اثنتين:
1 – الصفات الثبوتية الذاتية: وهي التي يشار بها إلى جمال ذات الموصوف وكماله، كوصفه بصفة العِلم وصفة القدرة، فإن العلم والقدرة من ذاتيات الله تعالى.
2 – الصفات الثبوتية الفعلية: وهي التي يشار بها إلى جمال فِعل الموصوف وكماله، كالتكلُّم والحكمة.
وأما الثانية: وهي الصفات التي يتنزه الخالق عن الإتصاف بها، وتسمى بالصفات الجلالية، أي أنه تعالى أَجَلُّ أن يوصف بها، وذلك كالشريك والجسمية وأية صفة نقصٍ أخرى.
وإننا نعتقد أن ذات الله عز وجل منزهة عن كل عيب ونقص، وهي تتصف بجميع الكمالات، بل هو الكمال المطلق ومطلق الكمال، وبعبارة أخرى: أن كل كمال وجمال في هذا العالم مستل من ذاته المنزهة: وقد وصف الله نفسه بقوله (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون * هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم)
فعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: لم يزل الله عز وجل ربنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور، فلمّا أحدث الأشياء وكان المعلوم، وقع العلم منه على المعلوم، والسمع على المسموع، والبصر على المبصر، والقدرة على المقدور، قال: قلت: فلم يزل الله متحركاً؟ قال: فقال: تعالى الله (عن ذلك) إن الحركة صفة محدثة بالفعل، قال: قلت: فلم يزل الله متكلماً؟ قال: فقال: إن الكلام صفة محدثة ليست بأزلية كان الله عز وجل ولا متكلّم.
وعن أبي جعفر(ع) قال: سمعته يقول: كان الله عز وجل ولا شيء غيره ولم يزل عالماً بما يكون، فعلمه به قبل كونه، كعلمه به بعد كونه:
حقيقة الخالق سبحانه
مهما حاول الإنسان أو غير الإنسان أن يدرك حقيقة الذات المقدسة فإنه لن يصل إلى مراده لأن تلك الحقيقة لا يمكن للعقول المخلوقة المحدودة أن تطالها أو تعرف شيئاً عنها، ونحن بدورنا نعتقد أن حقيقة الذات الإلهية المقدسة خافية على الجميع رغم كثرة آثار وجوده في العالم، ولا يستطيع أحد – أياً كان – أن يفقه كنه ذاته؛ لأن هذه الذات أزلية لا نهاية لها من جميع الوجوه، والإنسان محدود ومتناه لا يمكنه الإحاطة بالله وهو المحيط بكل شيء: (ألا إنه بكل شيء محيط) (والله من ورائهم محيط)
وجاء في الحديث النبوي الشريف: (ما عبدناك حق عبادتك وما عرفناك حق معرفتك)
وهنا يجب ألا نقع في خطأ، وهو الكف عن دراسة العلم الإجمالي بالله، والتوقف عن ذكر بعض الألفاظ التي نمر عليها دون أن نتمكن من فهم المقصود منها؛ بحجة أننا محرومون من تحصيل العلم التفصيلي به تعالى، لأن ذلك هو سد لباب معرفة الله، وهو ما لا نعتقد به و لا نرتضيه؛ لأن القرآن الكريم وسائر الكتب السماوية نزلت لفتح باب معرفة الله. ولتوضيح ذلك يمكننا الاستعانة بأمثلة كثيرة، منها أننا لا نعلم حقيقة الروح، لكننا على معرفة إجمالية بها، نلاحظ آثارها ونعترف بوجودها.
يقول الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام: (كل ما ميز تموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم)
ويبين الإمام علي عليه السلام طريق معرفة الله بتعبير جميل واضح فيقول: (لم يطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته)
نفي التجسيم عنه عز وجل
إننا نعتقد بأن الله تبارك وتعالى لا يمكن رؤيته، لأن الشيء الذي يرى بالعين هو جسم، ولا بد له من مكان ولون وشكل وجهة، وهذه كلها من صفات المخلوقات، والله تعالى أعظم من أن يتصف بصفات مخلوقاته؛ وعليه فإن الاعتقاد بإمكان رؤية الله هو نوع من الشرك: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)
ولهذا فإن موسى (عليه السلام) لما طلب منه بنو إسرائيل رؤية الله شرطاً للإيمان: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً) ، أخذهم موسى إلى جبل الطور، فسمع من الله تعالى الجواب التالي: (لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) ؛ إذ تكشف الآية الكريمة عن أنه لا يمكن رؤية الله تعالى مطلقاً.
ويقول أمير المؤمنين علي عليه السلام في جواب من سأله: (يا أمير المؤمنين، هل رأيت ربك…؟)، يقول: (أأعبد ما لا أرى؟). ثم قال: (لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان)
وإننا نعتقد أن وصف الله بصفات المخلوقات من قبيل المكان والجهة والجسمية والمشاهدة والرؤية، يؤدي إلى الابتعاد عن معرفة الله تبارك وتعالى، وإلى الشرك به. أجل، فهو تعالى أعظم من كل صفات المخلوقات، وليس كمثله شيء.
التوحيد
التوحيد في القرآن الكريم
لقد أعطى الكتاب الكريم أهمية فائقة لموضوع التوحيد لأنه الأصل الأول من أصول عقيدة المسلم وبه تميز المسلم عن المشرك، وقد ذكر القرآن الكريم مسألة التوحيد في مواضع كثيرة ليؤكد بذلك على ضرورة الإيمان بهذا الأصل العظيم الذي يعتبر المدخل الأول إلى عالَم الإيمان والتدين مشيراً إلى بعض أنواع التوحيد، وقد أشار إلى ذلك في العديد من السور المباركة نذكر لكم مجموعة منها.
(قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد) . (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) . (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد) . (وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون) (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد) . (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن) . (إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء) . (ولا تدع مع الله إله آخر لا إله إلا هو) . (قل إنما أنما منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار) .
(هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين) . (هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة) . (وما أمروا إلا ليعبدوا إله واحداً) . (لا تجعل مع الله إله آخر فتقعد مذموماً مخذولاً) .
(فلا تدع مع الله إله آخر فتكون من المعذبين) . (ولا تجعلوا مع الله إله آخر إني لكم منه نذير مبين) . (أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون) . (أإله مع الله قليلاً ما تذكرون) . (أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) . (قل إنما هو إله واحد وإنني بريء مما تشركون) . (فقال يا قومي اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) .
وهناك مئات الآيات التي حدثتنا عن التوحيد وما يتعلق به من خصائص ومزايا لا يسع المجال لذكرها في هذا المختصر.
التوحيد أهم الأصول
يعتبر التوحيد الأصل الأكبر والأول من أصول عقيدة المسلم، وهو من أوسع ابواب العقائد على الإطلاق، لأنه احتل المكانة العليا في الشرائع السماوية، وهو على رأس قائمة الوظائف التي بعث بها الأنبياء عليهم السلام كما كان رسول الله(ص) يقول:”قولوا لا إله إلا الله تفلحوا”. وهذا ما سوف يظهر لكم من خلال حديثنا عن حقيقة التوحيد وأقسامه في الإسلام.
وقد جرت عادة علماء الكلام أن يقسموا صفات الله عز وجل إلى قسمين:
القسم الأول: وهو الصفات الثبوتية؛ والقسم الثاني: وهو الصفات السلبية. ويمكن إطلاق صفة الجمال على القسم الأول وصفة الجلال على القسم الثاني. كما واعتاد هؤلاء العلماء على تقسيم التوحيد إلى عدة أقسام، فمنهم من قسمه إلى ثلاثة أقسام، ومنهم من قسم التوحيد إلى سبعة أقسام.
التوحيد الذاتي الواحدي والأحدي
وهو يعني أن الله سبحانه وتعالى واحد لا ثاني له وهو من أبرز صفات الله تبارك وتعالى وهذه العبارة جرت على ألسنة المتكلمين في التوحيد الذاتي وهم يهدفون من خلالها إلى نفي أي مثل لله جل شأنه وربما يطلق هذا العنوان على كون الله عز وجل واحداً بمعنى البساطة أي أنه بسيط لا جزء له ، فهذا القسم من أقسام التوحيد يعبر عنه بالتوحيد الذاتي، كما يعبر عن القسم الثاني أيضاً بنفس هذا التعبير. ولكن لأجل التفريق بين القسمين الأول والثاني، نطلق على الأول اسم التوحيد الذاتي الواحدي، وعلى الثاني التوحيد الذاتي الأحدي. ونحن نعتقد بأن هذا التقسيم كفيل ببيان المراد من هذين القسمين. ولو أننا أردنا الحصول على دليل واضح من الكتاب العزيز حول التوحيد الذاتي الواحدي لوجدنا لذلك جملة كبيرة من النصوص القرآنية التي غذت عقول الناس بهذا الغذاء العقائدي السليم.
نأتي إلى أصغر سور القرآن الكريم، فنجد أنها تشير إلى هذين القسمين بشكل واضح وسريع وأكبر شاهد على ما نقول هو آيات سورة الإخلاص، هذه السورة المكونة من أربع آيات هي عبارة عن دليل كبير على كون الخالق سبحانه وتعالى واحداً وأحادياً أما الآية التي تنص على كونه أحادياً فهي قوله تعالى *قل هو الله أحد* وأما الآية التي تدل على كون الله واحدياً فهي قوله تعالى *ولم يكن له كفواً أحد*، فلا يوجد تكرار في الدليل بين *قل هو الله أحد* و *ولم يكن له كفواً أحد*، لأن الأولى تشير إلى قسم من أقسام التوحيد، والثانية تشير إلى قسم آخر مختلف عن القسم الأول.
ما معنى كون الله عز وجل واحداً
منذ زمن بعيد والناس يخلطون ما بين التوحيد الواحدي والتوحيد الأحدي، مع أن لكل واحد من هذين العنوانين مدلولاً خاصاً به وبحوثاً متعلقة فيه. ولكي نفهم هذين العنوانين بشكل دقيق لا بد لنا من الحديث عن كل قسم منهما على حدة.
الوحدة قسمان:
أولاً: الوحدة العددية، ويقصد بها كون الشيء واقعاً تحت مفهوم عام أطلق عليه مفهوم العدد، والوحدة العددية هي أحد مصاديق هذا المفهوم العام. ويمتاز هذا المفهوم بكونه ليس له سوى مصداق واحد، كالشمس الذي هو مفهوم واسع قابل للانطباق على مصاديق كثيرة ولكننا لو بحثنا في عالم المصداق لم نجد لهذا المفهوم سوى مصداق واحد. وكذلك الحال بالنسبة لمفهوم الوحدة العددية.
ثانياً: الوحدة الحقيقية، وهي تعني أن كون الشيء الموجود لا ثاني له، وبمعى آخر أن هذا الشيء الواحد لا يقبل الأثنينية ولا الكثرة ولا التكرار، ويمكن لنا أن نعبر عن هذا الوجود بالوجود المطلق المجرد عن كل قيد، وهو الذي نعبر عنه بالواحد حقيقة، أو بالواحد في الوحدة الحقيقية، لأنه لا ثاني له.
وعلى ضوء ما ذكرنا يتضح لنا أن المراد بالوحدة العددية هو الواحد الذي لا ثاني له، وبالوحدة الحقيقية هو الوجود المنزّه عن كل قيد، وهو الذي لا ثاني له، ولا شبيه، ولا نظير، ولا أي خليط آخر.
والمراد من كون الله عز وجل واحداً، هو الواحد بالمعنى الثاني أي الذي ليس له ثانٍ وليس له شبيه أو خليط. وهذا معنى قوله تعالى في سورة الإخلاص (ولم يكن لم كفواً أحد) أي أنه عز وجل واحد لا نظير له. وقد أشار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(ع) إلى هذا المفهوم العقائدي الدقيق، وذلك في معركة الجمل، فقد روى العلامة الصدوق أن أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين(ع) فقال:”يا أمير المؤمنين أتقول إن الله واحد، قال فحمل الناس عليه، وقالوا: يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب، فقال أمير المؤمنين: دعوه، فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم”… ثم قال شارحاً ما سأله عنه الأعرابي:”وقول القائل واحد، يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأن ما لا ثاني له، لا يدخل في باب الأعداد، أما ترى أنه فكر من قال “ثالث ثلاثة”.
ثم قال:”معنى هو واحد: أنه ليس له في الأشياء شبَه، كذلك ربنا. وقول القائل أنه عز وجل أحديّ المعنى يعني به أن لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربنا عز وجل” .
التوحيد الأفعالي
يتجلى هذا النوع من التوحيد في ثلاثة أقسام:
القسم الأول: التوحيد في الخالقية:
وهو يعني أنه لا يوجد في هذا الوجود خالق إلا الله عز وجل، ويمكن لنا أن نستدل على ذلك بأن كل ما عدا الله تعالى فهو ممكن الوجود، وممكن الوجود محتاج إلى الواجب في نفس وجوده وفيما يترتب على ذلك، ولا يوجد سوى واجب واحد يحتاج إليه جميع الممكنات.
القسم الثاني: التوحيد في الربوبية:
فكما يجب الإيمان بكون الله تعالى واحداً في الخالقية، فكذلك يجب الإيمان بكونه واحداً في الربوبية، والربوبية هنا بمعنى الإدارة والتدبير، والله تعالى هو المدبِّر لوحده فليس معه شريك في تصريف الأمور كما كان يتوهم المشركون في الجاهلية فإنهم وإن آمنوا بكون الله تعالى واحداً في الخالقية غير أن عقولهم لم تستوعب قدرته تعالى على تدبير الأمر لوحده، فالله تعالى لا شريك له في خلقه، ولا شريك معه في تدبير شؤونهم.
القسم الثالث: التوحيد في العبودية:
وهو الإيمان بكون المعبود واحداً لا شريك له، فلا يجوز أن نعبد غيره، أو نشرك غيره بالعبادة، وهذا ما فُرض علينا الإعتراف به يومياً في صلواتنا الواجبة حيث لا بد من قراءة سورة الفاتحة المشتملة على هذا الإقرار، وهو: إياك نعبد: أي أننا نحصر العبادة بك وحدك.
وفي بيان التوحيد في العبادة، يقول الإمام الرضا في دعائه: ” اللهم إني برئ من الحول والقوة ولا حول ولا قوة إلا بك.
اللهم إني أعوذ بك وأبرأ إليك من الذين ادعوا لنا ما ليس لنا بحق..
اللهم إني أبرأ إليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا..
اللهم لك الخلق ومنك الرزق وإياك نعبد وإياك نستعين..
اللهم أنت خالقنا وخالق آبائنا الأولين وآبائنا الآخرين..
اللهم لا تليق الربوبية إلا بك. ولا تصلح الإلهية إلا لك فالعن النصارى الذين صغروا عظمتك والعن المضاهئين لقولهم من بريتك..
اللهم إنا عبيدك وأبناء عبيدك لا نملك لأنفسنا نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا..
اللهم من زعم أرباب فنحن منه براء.. ومن زعم أن إلينا الخلق وعلينا أو إلينا الرزق فنحن براء منه كبراءة عيسى ابن مريم عليه السلام من النصارى..
اللهم إنا لم ندعهم إلى ما يزعمون فلا تؤاخذنا بما يقولون.. واغفر لنا ما يدعون ولا تدع منهم على الأرض ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ”
إن هذا الدعاء الوارد على لسان إمام من أئمة الشيعة إنما يحدد صورة العبودية الخالصة وينفي كل صور الشرك التي تعلق بها البعض ونسبها إلى آل البيت. وهي الصورة التي يعرضها الدعاء إنما تلخص مفهوم العبادة عند الشيعة غير أن الشيعة لا تربط بين العبادة وبين مسألة التوسل وتعتقد أن التوسل أمر لا يتناقض مع العبودية لله.. وأن تعظيم الأنبياء وأولياء الله بينه بين العبادة بون شاسع وفرق جد كبير.
ولا خلاف بين الشيعة والسنة في عدم جواز عبادة غير الله إنما الخلاف يكمن في بعض الأعمال التي اعتبرتها بعض الاتجاهات داخل أهل السنة من الشرك وتعد عبادة لغير الله..
ونحن نعتقد أن التوحيد هو من أهم الأمور التي يمكن من خلال معرفتها أن نصل إلى معرفة الله سبحانه؛ والتوحيد ليس أصلاً من أصول الدين فحسب، وإنما هو روح جميع العقائد الإسلامية وجوهرها، ويمكن القول بتمام الصراحة: أن أصول الإسلام الناصعة تتضمن كلاماً عن التوحيد والوحدة؛ وحدة ذاته المنزهة وتوحيد صفاته وأفعاله، وبتفسير آخر: وحدة دعوة الأنبياء ووحدة الدين الإلهي، ووحدة القبلة والكتاب، ووحدة الأحكام والقوانين الإلهية لجميع بني البشر، وأخيراً وحدة صفوف المسلمين ووحدة يوم المعاد.
وما يؤكد أهمية هذه الوحدة وهذا التوحيد هو التعبير القرآني الذي يعدّ الانحراف عن التوحيد والاتجاه نحو الشرك ذنباً لا يغفر: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً)
التوحيد عند الشيعة
التوحيد عند الإمام علي عليه السلام:
يمثل طرح الإمام علي عليه السلام حول قضية التوحيد الأصل الذي تعتمد عليه الشيعة في تحديد رؤيتها تجاه هذه القضية، قضية التوحيد التي تُعتبر أهم أصل من أصول الدين الحنيف.
وطرح الإمام(ع) هو في غاية الدقة، فهو يطابق في كل جوانبه القرآن والسنّة.
ويعد الإمام علي أول من خاض في المعارف الإلهية من أمة محمد وأول من أوضح معالمها والمتأمل في نهج البلاغة يكتشف أن هذا الكتاب يحوي طرحا فلسفيا بالنسبة للإلهيات لا يفوقه أي طرح آخر..
وقد أخذت منه المدارس الفلسفية الإسلامية وارتوت من معينه وأسست عليه تصوراتها وأطروحتها..
ولا يزال أصحاب العقول يقفون في انبهار أمام هذا الكتاب ولسان حالهم يقول: إن مثل هذا الكتاب لا يمكن أن يكون منسوبا إلا للإمام علي..
وإن ما يحويه هذا الكتاب بين دفتيه لا يمكن أن يكون إلا نتاج مدرسة النبوة.. والإمام في طرحه أعطى مساحة للعقل وألزمه بالنص في آن واحد وهذا من وجوه الإعجاز البلاغي في طرحه..
فعندما يتحدث الإمام عن استحالة رؤية الله عقلا يقول: وامتنع على عين البصير: ثم يقول ولا تحيط به الأبصار.. ولا تراه النواظر:
وكلامه هذا يطابق العقل كما يطابق النص الواضح من قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) وقوله (لن تراني).
والإمام بقوله هذا قد أرسى قاعدة عدم الرؤية إلا أن هذا لا يعني إطلاقا عدم وجوده سبحانه: فهو المعروف من غير رؤية وأحق وأبين مما ترى العيون.
ويؤكد الإمام وحدانية الله وتفرده سبحانه، في وصيته للإمام الحسن عليه السلام بقوله: واعلم يا بني أنه لو كان لربك شريك لأتتك رسله ولرأيت آثار ملكه وسلطانه ولعرفت أفعاله وصفاته ولكنه إله واحد كما وصف نفسه لا يضاده في ملكه أحد ولا يزول أبدا ولم يزل.
وبأدق الألفاظ وأكمل العبارات وأوجز الكلمات يطرح الإمام قضية توحيد صفات الله بقوله: فمن وصفه فقد حده ومن حده فقد عده..
وقد سئل الإمام: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين..؟ فقال: أفأعبد ما لا أرى..؟ فقال السائل: وكيف تراه..؟ قال: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان.. قريب من الأشياء غير ملامس، بعيد منها غير مباين، متكلم بلا روية مريد لا بهمة. صانع لا بجارحة. لطيف لا يوصف بالخفاء كبير لا يوصف بالجفاء بصير لا يوصف بالحاسة. رحيم لا يوصف بالرقة تعنو الوجوه لعظمته، وتجب القلوب من مخافته.
إن الإمام يؤكد الصفات الثبوتية لله سبحانه وتعالى مثل الإرادة والبصر ويؤكد تباينه تعالى عن الأشياء وعدم تشبيهه بالمخلوقات وصفة الإرادة والبصر من الصفات الذاتية لله والتي هي عين ذاته ولا يجوز فصلها عنه سبحانه، فهي أساس كمال الذات ونفيها يعني نفص الذات أما اللطف والصنع والرحمة فهي من صفات الأفعال الحادثة على ذاته مثل الرزق.. ولا يجوز القول بأنها عين الذات لأن ذلك يستلزم حدوث الذات..
وقول الإمام هذا إنما يلخص عقيدة الشيعة في الأسماء والصفات والتي تقول بأن صفات الله هي عين ذاته وتعتبر صفات الذات أصلا وصفات الأفعال فرعا مشتقا من هذا الأصل فالصنع والرزق فرع مشتق من الأصل وهو القدرة،والسمع والبصر فرع مشتق من الأصل وهو العلم.
وقول الإمام: قريب من الأشياء غير ملامس بعيد عنها غير مباين. صانع لا بجارحة لطيف لا يوصف.. بصير لا يوصف.. رحيم لا يوصف.. إنما يؤكد عقيدة الشيعة التي ترفض التشبيه والتجسيم والتي دفعتها إلى رفض الأحاديث المنسوبة للرسول صلى الله عليه وآله والتي تشير في ظاهرها إلى التشبيه والتجسيم مثل حديث نزول الله وحديث رؤية الله وحديث ضحك الله وفرحه ووضع قدمه في النار وغيرها..
ثم يقول الإمام عليه السلام: كل شئ خاشع له. كل شئ قائم به. غنى كل فقير وعز كل ذليل وقوة كل ضعيف ومفزع كل ملهوف. من تكلم سمع نطقه ومن سكت علم سره ومن عاش فعليه رزقه ومن مات فإليه منقلبه، لم ترك العيون فتخبر عنك بل كنت قبل الواصفين من خلقك. لم تخلق الخلق لوحشة ولا استعملتهم لمنفعة ولا يسبقك من طلبت ولا يفلتك من أخرت ولا ينقص سلطانك من عصاك ولا يزيد في ملكك من أطاعك. ولا يرد أمرك من سخط قضاءك ولا يستغني عنك من تولى عن أمرك. كل سر عنك علانية. وكل غيب عندك شهادة. أنت الأبد فلا أمد لك وأنت المنتهى فلا محيص عنك وأنت الموعد فلا منجى منك إلا إليك. بيدك ناصية كل دابة وإليك مصير كل نسمة سبحانك ما أعظم شأنك سبحانك ما أعظم ما نرى من خلقك وما أصغر عظيمة في جانب قدرتك وما أهون ما نرى من ملكوتك وما أحقر ذلك فيما غاب عنا من سلطانك وما أسبغ نعمك في الدنيا وأصغرها في نعم الآخرة.
يقول الدكتور اليحفوفي: ومن الضروري جدا أن يكون الله عادلا والأدلة العقلية على هذه الضرورة كثيرة نذكر منها دليلا واحدا مفاده أن الباعث للظلم – الذي هو ضد العدل – أحد أشياء. إما الجهل بقبح الظلم أو الحاجة إليه لتثبيت ملك أو سلطان أو العجز عن تفاديه وكل هذه الأمور ممتنعة عليه تعالى. لأن كونه عالما يقتضي علمه بقبح القبيح. وكونه غنيا مطلقا يقتضي عدم حاجته للغير وكونه القادر على كل شئ يقتضي قدرته على تفادي الظلم وإذا كان الظلم مستحيلا عليه تعالى فإن العدل يكون ضروريا.
من هنا اعتبر الشيعة العدل أحد مشتقات التوحيد وأصلا من أصول العقيدة مما ميزهم عن أهل السنة الذين جوزوا على الله سبحانه ما ينافي العدل.
التعايش بين اتباع الأديان الإلهية:
رغم كون الخلاف القائم بين أهل الأديان المتنوعة، يبقى الإسلام الدين الذي يدعو أتباعه إلى التعايش الكريم مع أفراد المجتمع إلى أي مذهب انتموا وإلى أية طائفة انتسبوا، وذلك أن الإسلام دين التسامح والتعايش والمحبة، وهو الدين الذي امتاز بطريقته الخاصة في الدعوة إلى الله عز وجل، حيث أمرنا سبحانه بأن ندعو الآخرين إلى هذا الدين عن طريق العلم والفهم والحكمة والطريقة التي يقبلها الجميع بعيداً عن كل الضغائن والمنفرات، ونحن نعتقد بأن أخلاق نبيّنا(ص) وتسامحه كان له الدور الأكبر في الإسراع بانتماء الناس إلى الإسلام لأنه كان _كما أخبرنا القرآن_ على خُلُقٍ عظيم.
فمن معتقداتنا أن الدين الإسلامي هو الدين الرسمي الإلهي الوحيد في هذا الزمن وفيما يأتي بعده من الأزمان، ونعتقد في الوقت ذاته بوجوب وضرورة التعايش السلمي مع أتباع الأديان السماوية الأخرى حيث لا بد من التواصل مع الآخرين سواء عاشوا في البلاد الإسلامية أو خارجها، إلا من رفع لواء محاربة الإسلام والمسلمين، وهذا ما صرّح به القرآن الكريم الذي يدلنا على الطرق الناجحة والأساليب المنتجة فقال تعالى(لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)
كما ونعتقد أنه يمكن تبيين حقيقة الإسلام وتعاليمه للجميع من خلال البحث المنطقي والنقاش الموضوعي، ونعتقد بأن قابلية الاستقطاب والجذب في الإسلام من القوة بحيث يمكن لفت الأنظار نحوه وكسب الناس إليه إذا جرى توضيحه بشكل صحيح، لا سيما في عالم اليوم حيث يكثر الإقبال عليه لوعي رسالته، وهذا ما ينبغي أن يلتزم به جميع المسلمين على هذه البسيطة، والموجودين في كل مكان من أنحاء هذه الأرض، أما الأساليب التي تزرع الكره والحقد في قلوب الآخرين تجاه ديننا فلا يجوز التعامل بها بأي وجه من الوجوه.
ولهذا فإننا نعتقد بأن الإسلام يجب ألا يفرض على الآخرين قسراً: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) وإننا نعتقد أن التزام المسلمين بتعاليم الدين هو أسلوب آخر لتعريف الإسلام، كما قال الإمام الصادق عليه السلام: كونوا دعاةً لنا بغير ألسنتكم: أي بسلوككم الحاكي عما في قلوبكم، ولا ضرورة للإجبار والقسر والإكراه.
النبوة
النبوة
الإيمان بالنبي هو الركن الثاني من أركان الإسلام. وهو ركن لا خلاف فيه بين الفرق الإسلامية، إنما الخلاف يكمن في نظرة كل فرقة إلى النبي كشخصية تؤدي دورها في محيط الرسالة..
يقول فخر الرازي: إن الاختلاف في هذه المسألة واقع في أربعة مواضع.
الأول: ما يتعلق بالاعتقادية. واجتمعت الأمة على أن الأنبياء معصومون عن الكفر والبدعة إلا الفضلية من الخوارج فإنهم يجوزون الكفر على الأنبياء.
وذلك لأن عندهم يجوز صدور الذنوب عنهم. والروافض فإنهم يجوزون عليهم إظهار كلمة الكفر على سبيل التقية..
الثاني: ما يتعلق بجميع الشرائع والأحكام من الله تعالى، وأجمعوا على أنه لا يجوز عليهم التحريف والخيانة في هذا الباب لا بالعمد ولا بالسهو. وإلا لم يبق الاعتماد على شئ من الشرائع..
الثالث: ما يتعلق بالفتوى. وأجمعوا على أنه لا يجوز تعمد الخطأ. فأما على سبيل السهو فقد اختلفوا فيه.
الرابع: ما يتعلق بأفعالهم وأحوالهم. وقد اختلفوا فيه على خمسة مذاهب.
1 – الحشوية: وهو أنه يجوز عليهم الإقدام على الكبائر والصغائر..
2 – إنه لا يجوز منهم تعمد الكبيرة البتة. وأما تعمد الصغيرة فهو جائز.
بشرط أن لا تكون منفرة. وأما إن كانت منفرة فذلك لا يجوز عليهم..
3 – إنه لا يجوز عليهم تعمد الكبيرة والصغيرة. ولكن يجوز صدور الذنب منهم على سبيل الخطأ في التأويل..
4 – إنه لا يجوز عليهم الصغيرة ولا الكبيرة لا بالعمد ولا بالسهو ولا بالتأويل الخطأ.
أما السهو والنسيان فجائز ثم إنهم يعاتبون على ذلك بالسهو والنسيان. كما أن علومهم أكمل، فكان الواجب عليهم المبالغة في التيقظ..
5 – إنه لا يجوز عليهم الكبيرة ولا الصغيرة لا بالعمد ولا بالتأويل ولا بالسهو ولا بالنسيان.. واختلفوا أيضا في وقت وجوب العصمة:
فقال بعضهم: إنها من أول الولادة إلى آخر العمر..
وقال الأكثرون: هذه العصمة إنما تجب في زمان النبوة. أما قبلها.. فهي غير واجبة.
النبوة عند أهل السنة
يعتقد أهل السنة أن إرسال الرسل إنما هو بمحض فضل من الله تعالى وواجب في حقهم الأمانة أي حفظ ظواهرهم وبواطنهم من التلبس بمنهي عنه.
وواجب في حقهم الصدق والفطانة والتبليغ ويستحيل في حقهم ضد هذه الصفات.. أما السهو فممتنع عليهم في الأخبار البلاغية وغير البلاغية.
أما النسيان فهو ممتنع في البلاغيات قبل تبليغها قولية كانت أو فعلية. أما بعد التبليغ فيجوز نسيان ما ذكر الله تعالى أما نسيان الشيطان فمستحيل عليهم. ويجوز على ظواهرهم ما يجوز على البشر مما لا يؤدي إلى نقص وأما بواطنهم فمنزهة عن ذلك متعلقة بربهم.
ويقول ابن حزم: والسهو منهم قد ثبت بيقين وأيضا فإن ندب الله تعالى لنا إلى التأسي بهم لا يمنع من وقوع السهو منهم لأن التأسي بالسهو لا يمكن إلا بسهو منا.. إننا مأمورون إذا سهونا أن نفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله إذا سها.
ويعتبر ابن تيمية أن إنكار السهو من الغلو في عصمة الأنبياء وأن هذا القول لم يوافق عليه أحد من أهل السنة.
وقال الأشاعرة: يجوز على الأنبياء الكبائر والصغائر سهوا. إلا الكفر والكذب وعلى هذا طوائف أخرى من أهل السنة.
وهذا التصور الذي يطرحه أهل السنة بالنسبة لقضية العصمة إنما هو مرتبط بفترة ما بعد البعثة. أما فترة ما قبل البعثة فقد جوزوا عليهم الكبائر والصغائر عمدا وسهوا.
وقال القاضي عياض: وأما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوة فللناس فيه خلاف. والصواب أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شئ من ذلك.
وقال القشيري: والذي صار إليه المعظم أن الله ما بعث نبيا إلا كان مؤمنا به قبل البعثة.. وإجماع أهل السنة على جواز وقوع النسيان من الرسول صلى الله عليه وآله لكنهم اختلفوا فيما يكون النسيان. هل ينسى في التبليغ عن الله ما يتعلق بالأحكام والأفعال..؟
وقال آخرون: يجوز في ذلك التراخي ما لم ينخرم العمر وينقطع تبليغه.
يقول ابن تيمية:.. والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين.. وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ لرسالة فللناس فيه نزاع هل هو ثابت بالعقل أو بالسمع؟ ومتنازعون في أن العصمة من الكبائر والصغائر أو من بعضها. أم هل العصمة إنما في الإقرار عليها لا في فعلها؟ أم لا يجب القول بالعصمة إلا في التبليغ فقط؟ وهل تجب العصمة من الكفر والذنوب قبل المبعث أم لا؟ والكلام في هذا مبسوط في غير هذا الموضع والقول الذي عليه جمهور الناس وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقا. والرد على من يقول إنه يجوز إقرارهم عليها.
وقال: لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه.
ويرفض ابن تيمية فكرة العصمة قبل البعثة ويرد على أصحاب هذا الاتجاه قائلا:.. وبهذا يظهر جواب شبهة من يقول: إن الله لا يبعث نبيا إلا من كان مؤمنا قبل النبوة فإن هؤلاء توهموا أن الذنوب تكون نقصا وإن تاب التائب منها وهذا منشأ غلطهم فمن ظن أن صاحب الذنوب مع التوبة النصوح يكون ناقصا فهو غالط غلطا عظيما فإن الذم والعقاب الذي يلحق أهل الذنوب لا يلحق التائب منها شئ أصلا لكن إن قدم التوبة لم يلحقه شئ وإن أخر التوبة فقد يلحقه ما بين الذنوب والتوبة من الذم والعقاب ما يناسب حاله والأنبياء كانوا لا يؤخرون التوبة بل يسارعون إليها ويسابقون إليها لا يؤخرون ولا يصبرون على الذنب بل هم معصومون من ذلك، ومن أخر ذلك زمنا قليلا كفر الله ذلك بما يبتليه به كما فعل بذي النون هذا على المشهور أن إلقاءه كان بعد النبوة. وأما من قال إن إلقاءه كان قبل النبوة فلا يحتاج إلى هذا والتائب من الكفر والذنوب قد يكون أفضل ممن لم يقع في الكفر والذنوب.. بل من عرف الشر وذاقه فقد تكون معرفته بالخير ومحبته له ومعرفته بالشر وبغضه له أكمل ممن لم يعرف الخير والشر ويذوقهما كما ذاقهما. بل من لم يعرف إلا الخير فقد يأتيه الشر فلا يعرف أنه شر. فإما أن يقع فيه. وإما أن لا ينكره كما أنكره الذي عرفه.
النبوة عند الشيعة
يعتقد الشيعة أن الرسول صلى الله عليه وآله معصوم عصمة كلية من ولادته وحتى مماته، فلا تجوز عليه الكبيرة ولا الصغيرة لا بالعمد ولا بالسهو ولا بالتأويل ولا بالنسيان..
ودليلنا على ذلك أنه لو عهد منه خطيئة لتنفرت العقول من متابعته فتبطل فائدة البعثة.
وتتجلى عصمة الرسول في مراحل ثلاث:
– مرحلة تلقي الوحي وحفظه وأدائه إلى الأمة.
– مرحلة القول والفعل، وعلى ذلك فهو من عباده المكرمين الذين لا يعصون الله ما أمرهم وهم بأمره يعملون..
– مرحلة تطبيق الشريعة وغيرها من الأمور المربوطة بحياته صلى الله عليه وآله لا يسهو ولا يخطئ في حياته الفردية والاجتماعية.
ويقول الشيخ محمد جواد مغنية: الأنبياء معصومون عن الذنوب، كبيرها وصغيرها، قبل النبوة وبعدها. لا يصدر عنهم ما يشين لا عمدا ولا سهوا.
وأنهم منزهون عن دناءة الآباء وعهر الأمهات، وعن الفظاظة والغلظة، وعن الأمراض المنفرة كالبرص والجذام، بل وعن كثير من الأعمال المباحة المنافية للتعظيم والتوقير كالأكل في الطريق ونحوه.
وقد اشتغل علماء الإمامية بالنصوص القرآنية التي توهم مناقضتها للعصمة الكلية والتي استند إليها أهل السنة في موقفهم منها. وقاموا بشرحها ومناقشة مدلولاتها على ضوء اللغة والعقل مثل قوله تعالى: (ووجدك ضالا فهدى) وقوله تعالى: (والرجز فاهجر) وقوله: (.. ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان..) وقوله: (فلا تكونن ظهيرا للكافرين) وقوله: (عبس وتولى) وقوله: (سنقرئك فلا تنسى).
يقول السيد شبر: والعصمة عبارة عن قوة العقل من حيث لا يغلب مع كونه قادرا على المعاصي كلها. كجائز الخطأ. وليس معنى العصمة أن الله يجبره على ترك المعصية، بل يفعل به ألطافا يترك معها المعصية باختياره مع قدرته عليها. كقوة العقل وكمال الفطنة والذكاء ونهاية صفاء النفس وكمال الاعتناء بطاعة الله تعالى: ولو لم يكن قادرا على المعاصي بل كان مجبورا على الطاعات لكان منافيا للتكليف وعدم الإكراه في الدين. والنبي أول من كلف، حيث قال: فأنا أول العابدين وأنا أول المسلمين، وقال تعالى: (فاعبد ربك حتى يأتيك اليقين) الحجر / 99. ولأنه لو لم يكن قادرا على المعصية لكان أدنى مرتبة من صلحاء المؤمنين القادرين على المعاصي التاركين لها.
إن شخصية الرسول عند الشيعة الإمامية هي شخصية متكاملة متجانسة مع روح الإسلام وطبيعة الوحي، وليست شخصية مهزوزة متقلبة ضعيفة الجذور متلونة أخلاقيا..
من هنا فإن الشيعة يرفضون وبقوة أي مساس بشخص الرسول كالسحر والخطأ والنسيان وتعرية حياته الشخصية ومشاركة بعض الصحابة له في شؤون الوحي ونسبة الكفر إلى والديه وعمه..
يقول السيد شبر: المشهور بين الإمامية – بل حكى عليه الإجماع – أنه يجب تنزيه الأنبياء عن كفر الآباء والأمهات وعهرهن. لئلا يعيروا ويعابوا في ذلك، ولئلا يتنفر عنهم. فإن ما في الآباء من العيوب يعود إلى الأبناء عرفا.
معجزات الأنبياء بإذن الله تعالى
نعتقد أن المعجزات الصادرة عن الأنبياء والأفعال الخارقة للطبيعة كلها بإذن الله تعالى، كما ورد في القرآن الكريم حول السيد المسيح عليه السلام (إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ )
وأيضاً ورد في أحد وزراء سليمان: (وقال الذي عند علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقراً عنده قال هذا من فضل ربي)
وعليه فإن إبراء السيد المسيح عليه السلام للأكمه والأبرص وإخراج الموتى بإذن الله تعالى هو عين التوحيد.
فلسفة بعثة الأنبياء:
لقد بعث الله تعالى الأنبياء والرسل من أجل هداية الإنسان وإيصاله إلى الكمال المطلوب والسعادة الخالدة في يوم الحساب بالدرجة الأولى؛ وذلك أن الهدف من خلق الإنسان لم يكن ليتحقق لو لم يبعث الله رسله فلو لا ذلك لغرق الإنسان في بحور الضلال، قال سبحانه (وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)
ونعتقد أن خمسة فقط من بين الرسل المبعوثين هم (أولوا العزم) أي أصحاب شريعة جديدة وكتاب سماوي جديد، أولهم نوح عليه السلام والبقية كما في هذه الآية هم: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك، ومن نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم، وأخذنا منهم ميثاقاً غليظا) وقال تعالى (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل)
وإننا نعتقد أن محمداً صلى الله عليه وآله هو خاتم الأنبياء وآخر الرسل، وشريعته موجهة لجميع الناس وباقية ما بقي العالم، بمعنى أن المعارف والأحكام والتعاليم الإسلامية من الشمولية بحيث تلبي كل حاجات الإنسان المعنوية والمادية مدى الدهر، وكل دعوة جديدة للنبوة والرسالة هي دعوة باطلة مرفوضة: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليما)
عصمة الأنبياء
إن جميع الأنبياء معصومون (قبل النبوة وبعدها)، أي منذ الولادة وحتى مفارقة هذه الحياة، ومصونون من الخطأ، والاشتباه، والذنب، وذلك بالتأييد الإلهي؛ لأن النبي إذا ارتكب الخطأ أو الذنب فقد سُلبت منه الثقة اللازمة لمنصب النبوة، وعندئذ لا يمكن للناس أن يثقوا بوساطته بينهم وبين الله، ولهذا فإننا نعتقد أن ما يبدو من ظواهر بعض الآيات القرآنية من أن بعض الأنبياء ارتكبوا المعاصي، هو من قبيل ترك الأولى (بمعنى اختيار العمل الأقل صلاحاً من بين عملين صالحين، في حين كان من الأولى اختيار الأصلح)، أو بتعبير آخر هو من قبيل: (حسنات الأبرار سيئات المقربين)– لأنه ينتظر من كل شخص أن يقوم بالعمل الذي يناسب مقامه.
وإننا نعتقد أن أعظم فخر للأنبياء والرسل هو كونهم عباداً مطيعين لله، ولهذا فإننا نكرر في صلواتنا اليومية شهادة أن محمداً صلى الله عليه وآله عبد الله ورسوله:
حقيقة المعجزة
قبل ذكر أي موضوع له ارتباط بالمعجزة، علينا أن نذكر التعريف العام الذي عرفت به قديماً وحديثاً فقيل: “المعجزة هي الأمر الخارق لنواميس الطبيعة”
ولا إشكال في صحة هذا التعريف لكونه جامعاً لشروط المعجزة، إلا أن الإشكال وقع في معرفة المقصود بالطبيعة.
فإذا فهمنا معنى الطبيعة أمكن لنا معرفة حقيقة المعجزة التي نسعى لبيان آثارها على الإذعان بما جاء به الأنبياء(ع) من عند ربهم.
ولا نقصد بالطبيعة تلك التي يفهمها أهل المعتقدات الفاسدة لأن معناها المرتكز في عقولهم يتنافى مع المعنى الذي نفهمه نحن المسلمين لها.
فهم يقصدون بالطبيعة المعنى المادي المجرد عن أية خلفية عقائدية ، و لا يلاحظون ما كان قبلها وما يكون بعدها وكيف وجدت ولماذا وجدت، لأنهم يعتقدون بخالقيتها لنفسها ولما وجد عليها من الكائنات.
فهم ينظرون إلى الطبيعة على أنها موجود مميز عن غيره من الموجودات، أما نحن فإننا ننظر إليها من ناحية كونها مخلوقاً تحكمه أنظمة أخرى.
وبعد ذكر الفرق بين مفهومنا للطبيعة ومفهوم الآخرين لها أمكن القول بأننا نستعمل لفظ (الطبيعة) للدلالة على معنيين:
المعنى الأول: وهو المفهوم العام للطبيعة التي تتألف من فضاء وكواكب ونجوم وشمس وقمر وبشر ونبات وغير ذلك من المخلوقات ضمن هذا الكون.
المعنى الثاني: وهو النظام الكوني للأشياء، فنقول: هذا أمر طبيعي وتلك مسألة طبيعية، وهكذا الأمر في جميع المسائل المشابهة لهذا المعنى.
أما المعجزة فلا تحكمها أنظمة هذه الطبيعة لأنها خارجة عن حدودها فإنه ليس من الطبيعي أن يقتلع جبل من مكانه ويحلق فوق رؤوس الناس، أو تخرج ناقة من الجبل من دون أب وأم فيشرب الناس من لبنها ويأكلون لحمها.
وليس من الطبيعي أيضاً أن يمسح الشخص على عيني الكفيف فيرتد إليه بصره، أو أنه يخلق من الطين طيراً.
وليس من شأن الطبيعة أن يلقى الرجل في النار العظيمة لساعات ثم يخرج منها سالماً.
وليس من شأنها أن يأتي الرجل الأمي بكتاب يعجز جميع نوابغ العرب وفصحائهم عن الإتيان بسورة مثل سوره.
هذه هي حقيقة المعجزة، وهذا هو معنى خرق نواميس الطبيعة.
دور المعجزة في تبليغ الدعوة
لا يمكن لعاقل أن يشك في الدور الكبير الذي تلعبه المعجزة في عملية تبليغ الرسالات السماوية وإثبات صدق ما بعث به الأنبياء من الكتب والشرائع، وكأن الله سبحانه وتعالى قد حسم الموقف بالمعجزات حيث لا يمكن للمتمتع بالقوة العقلية أن ينكرها إلا إذا كان معانداً فعند ذلك لا تنفعه المعجزة ولا غيرها من أساليب الإقناع لأنه لا يريد أن يؤمن، وهناك فرق كبير بين من لا يعرف ومن لا يريد أن يعرف.
فلو دققنا في حقيقة أمر من استمر على الكفر بعد أن رأى المعجزات لوجدناه معانداً.
إن الذين وقفوا في وجه الأنبياء وعرقلوا مسيرة الإيمان هم المعاندون الذين وجهوا الإتهامات الباطلة لأنبياء الله ووضعوا في طرقهم العقد والعراقيل، واتهموهم بالكذب مرة وبالسحر أخرى من أجل إبعاد الناس عنهم حيث لم يكن من مصلحتهم أن يؤمن بالله أحد.
كانوا يستفيدون من كفر الناس ببيعهم الأصنام وأخذ الربا منهم والإتجار بأنواع كثيرة من المحرمات.
إن دور المعجزة في إثبات الحق كبير، يمكن لنا أن نثبت ذلك من خلال عجز البشر عن مواجهتها وإذعان كثير من الناس بها.
سبب حدوث المعجزة
ومن جملة الحقائق التي ينبغي كشفها حول المعجزة هو سبب حصول المعجزة، فإن الأنبياء لم يبادروا إلى المعجزة إلا بعد أن طلب الناس منهم ذلك، فهي تحصل بناءاً على طلب الناس.
وكانوا يعلقون إيمانهم بالله على حصول معجزة معينة ولكنهم كانوا في الغالب يصرون على كفرهم وعنادهم مع العلم بأن المعجزة حدثت نزولاً عند رغبتهم، كما صنع قوم صالح عندما طلبوا منه القيام بمعجزة تثبت لهم صدق نبوته فأتى بمعجزة الناقة التي حدثنا عنها القرآن الكريم في أكثر من سورة.
المبادرة بالمعجزة:
تارة يبادر النبي بالمعجزة، وأخرى ينتظر طلب الناس لها ليكون أثرها بعد طلبهم لها آكد على نفوسهم فينتفي بذلك موضوع السحر عن النبي الذي إذا أراد قومه محاربته بدؤوا باتهامه بالسحر وما شابهه من مسائل الخداع.
وفي كلتا الحالتين تكون المعجزة ذات أثر فعال على قلوب الناس، وذات أثر دور كبير في عملية التبليغ.
تعيين نوع المعجزة
لم يكتف بعض الأقوام لم يكتفوا بطلب المعجزة وإنما حددوا نوعها لظنهم بعجز النبي عن القيام بما طلبوا، ولكن القدرة الإلهية قادرة على فعل أي شيء، ولذلك كان النبي يجيبهم إلى ما طلبوا ليلقي عليهم الحجة كما صنع قوم موسى معه عندما حددوا له نوع المعجزة التي يريدونها، وذلك عندما طلبوا إحياء الميت، أو كقوم صالح الذين حددوا نوع المعجزة بالناقة وخروجها من مكان هم الذين حددوه وليس النبي.
ونفهم مما ذكرناه أن المعجزة تارة تحصل على طبق طلب الناس فيكون نوعها وشكلها كما طلبوا، وأخرى لا يحددون نوعاً معيناً منها فيتركون اختيار النوع لصاحب المعجزة، ومرة يحددون النوع دون المكان والزمان.
ضرورة إقامة البرهان
لقد سدد الله تعالى أنبياءه بالمعجزات لتكون سلاحاً بأيديهم يواجهون به تكذيب الناس لهم وعنادهم وإصرارهم على الكفر.
والله تعالى يعلم بما سوف يطلبه الناس من الأنبياء، ولهذا فقد سددهم بالمعجزة لأنها الطلب الأبرز الذي يريد الناس رؤيته.
ومن الطبيعي جداً أن يطلب الناس أدلة قاطعة على صدق ما أتى به الأنبياء، فكان من الضروري أن يقوم النبي بما يحسم الموقف ويقطع الطريق أمام المغرضين ليصبحوا مسؤولين أمام الله تعالى عن جميع تصرفاتهم تجاه الرسالة والرسل.
المعجزة علامة النبوة
من حق كل إنسان أن يطلب البرهان على أية دعوة تصدر من شخص مهما كان وضعه الديني والإجتماعي والأخلاقي بين الناس، ومهما كان تاريخه حافلاً بالمواقف الصادقة.
نعم.. قد ينفع هذا التاريخ كثيراً فيما لو أتى بالدليل القاطع على صدق دعواه، أما إذا لم يأت بالدليل فليس من واجب الناس أن يصدقوه أو يؤمنوا به.
بل من الغباء أن ينجرف المرء وراء الوهم والهوى لمجرد أن صاحب هذه الدعوة أو تلك رجل جيد، والأشد غباءاً من ذلك هو أن ينكر المرء الدليل القاطع.
وبعد ذكر هذه المقدمة يمكننا القول بأنه ليس من واجب الناس أن يؤمنوا بأي شيء إلا بعد إقامة الدليل، ولا يمكن أن يكون الرجل نبياً إلا إذا قام بالمعجزة على اختلاف أنواعها لأنها الدليل الوحيد على النبوة، وبغير المعجزة لا تقوم الحجة على البشر.
أنواع المعجزات
لم تكن معجزات الأنبياء واحدة في النوع، وإن كان الهدف منها واحداً، بل كانت كثيرة بحيث لم يستطع المؤرخون أحصاء أعدادها.
لقد كان هناك تفاوت بين معجزة وأخرى من حيث الشكل وذلك مرتهن بالظرف الذي حصلت به.
وإن من الطبيعي أن تكون المعجزات مختلفة في أنواعها وذلك لاختلاف أمزجة الناس وأهوائهم، وقد ذكرنا قبل قليل أن بعض المعجزات قد حدد الناس نوعها وزمانها ومكانها.
هذا من جهة الناس، وأما من جهة الله تعالى فقد كان لهذا التنوع سبب عظيم، وهو بيان القدرة الإلهية التي لا تحدها حدود.
ثم إن لهذا التنوع والتعدد أثراً آخر، وهو رفع تهمة السحر عن الأنبياء، فلو كانت المعجزات واحدة لثبتت التهمة في عقول الناس بدعوى أن الأنبياء تعلم بعضهم من بعض.
ولما لم تكن المعجزات واحدة لم يبق لتلك التهمة مجالاً، مع أن هذه التهمة لا محل لها من الأساس لأن نفس القيام بمعجزة ولو تعاقبها الأنبياء لا يكون ذلك سحراً لأن المعجزة من اختصاص الله وحده.
هذا على القول بعدم وجود معجزات عديدة، فهي عديدة ومختلفة ولا مجال لتلك التهمة من الأساس.
وقد اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون معجزات النبي المقبل مغايرة لمعجزات النبي السابق والله أعلم بالحكمة من وراء ذلك.
موافقة المعجزة لأرقى فنون عصرها
لكي تكون المعجزة ذات أثر فعال أمام إنكار أهل الضلال لا بد أن تفوق أرقى فنون عصرها فإن ذلك يساعد كثيراً في إثبات صدق الأنبياء بشكل أسرع.
وقد توقع الأنبياء(ع) حدوث مواجهات مع الأطراف الضالة الذين سوف يدعون تفوقهم على الأنبياء في فنونهم وتجاراتهم وصناعاتهم ليثبتوا بذلك ضعف الأنبياء.
لقد ظنوا ذلك لجهلهم بما أتى به الأنبياء والرسل من المعجزات الخارقة لقوانين الطبيعة التي لم يعرف الناس غيرها، فأتوا بالمعجزات لتكون حجة على المعاندين.
لقد اقتضت الحكمة الإلهية قطع الطريق أمام المغرضين المستفيدين من بقاء الناس على الضلال وانحراف المؤمنين عن الحق فأجرى الله تعالى على أيدي أنبيائه معجزات فاقت أرقى فنون عصورها بحيث لم يكن لأحد أن ينكر صحة الأمر أو يواجهه مهما كان ذال مال وجاه وسلطة لأن المعجزة تشكل قوة غير عادية فلا يمكن لأحد أن يقف في وجه هذه القوة.
ففي زمن كليم الله موسى(ع) اشتهر السحر الذي كان يعتبر الفن الأرقى والسلاح الأقوى في وجه أي خطر يهددهم، ولهذا السبب استعان فرعون بالسحرة رغم كثرة جنوده وقوته العسكرية.
فأجرى الله تعالى على يد كليمه معجزة أشبهت السحر بظاهرها ولكنها في الواقع تباينه، فهي شيء والسحر شيء آخر، ولذا فقد خضع السحرة لموسى بعد أن رأوا معجزته التي لم تكن سحراً إذ لو كانت كذلك لما سجدوا لموسى وهم أعلم أهل زمانهم بهذا الفن.
وفي زمن روح الله عيسى(ع) اشتهر الطب فأجرى الله سبحانه على يديه معجزات فاقت أرقى مستويات هذا العلم مما كشف للناس عن حقيقة ما جاء به لأن الطب عاجز عن القيام بذلك.
وفي زمن حبيب الله محمد(ص) اشتهرت البلاغة والفصاحة فأتاهم بالقرآن الكريم الذي أعجز أهل البلاغة ببلاغته وأخرس ألسنة الفصاحة بفصاحته وقهر أهل الفكر بعمق معانيه.
ولقد كان لمشابهة المعجزة فنون عصرها أثر كبير على قلوب الناس الذين آمن منهم كثير لما رأوا ما عجز أعظمهم عن القيام بمثله.
الأنبياء وعلم الغيب
لا مانع كون الأنبياء عباداً لله أن يطلعوا على غيب الماضي والحاضر والمستقبل بإذن الله، قال سبحانه(عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا)
وإننا نعلم أن من معجزات السيد المسيح عليه السلام أن كان ينبئ الناس ببعض الأمور الخفية: (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم)
كما كان رسول الله محمد صلى الله عليه وآله يكشف عن الكثير من الأخبار الغيبية بالوحي الإلهي: (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك) وعليه، ليس ثمة مانع يمنع الأنبياء من الإخبار بالغيب عن طريق الوحي وبإذن الله؛ أما نفي بعض الآيات القرآنية الغيب عن رسول الله من قبيل الآية: (ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك) فالمراد بذلك العلم الذاتي الاستقلالي وليس العلم المكتسب من الوحي الإلهي، لأن الآيات القرآنية تفسر بعضها بعضاً.
أصول دعوة الأنبياء واحدة
إننا نعتقد أن جميع الأنبياء الربانيين كانوا يتطلعون إلى هدف واحد هو سعادة الإنسانية عن طريق الإيمان بالله ويوم القيامة والتعليم والتربية الدينية الصحيحة، وتعزيز الأسس الأخلاقية في المجتمعات البشرية؛ ولهذا فإننا نحترم جميع الأنبياء، وهو ما ربانا القرآن الكريم عليه: (لا نفرق بين أحد من رسله)
وقد تكاملت الرسالات السماوية تدريجياً وتعمقت التعاليم الربانية بمضي الزمان واستعداد النوع البشري لتلقي هذه التعاليم، حتى جاء دور أكمل الرسالات الإلهية وآخرها ألا وهو الدين الإسلامي: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)
الأنبياء وإصلاح شؤون الحياة
إننا نعتقد أن الرسالات السماوية التي أنزلت على الأنبياء، ولا سيما الدين الإسلامي، لم تأت لإصلاح الحياة الفردية فحسب، ولم تتخصص في القضايا المعنوية والأخلاقية فقط، وإنما تهدف إصلاح جميع الشئون الاجتماعية؛ وقد تعلم الناس كثيراً من العلوم المطلوبة في الحياة اليومية من الأنبياء، الأمر الذي أشار إليه القرآن الكريم في بعض آياته.
ونعتقد أيضاً أن من أهم أهداف الأنبياء إقامة العدالة الاجتماعية في المجتمع البشري: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)
الإمامة
الإمامة عند الشيعة
الإمامة عند الشيعة أصل من أصول الدين، وهذا الأصل هو الذي ميز الشيعة عن غيرهم، لأن غير الشيعة اعتبروا أصول الدين ثلاثة وليس خمسة.
ولأجل أن الشيعة تبنت هذا الأصل فقد نُعتت بالإمامية، وبالإثني عشرية لاعتقادها بإمامة اثني عشر إماماً سمّاهم الرسول(ص) بأسمائهم.
والشيعة حين تتبنى قضية الإمامة إنما تستند في ذلك إلى حجج شرعية تتمثل في نصوص قرآنية ونبوية بالإضافة إلى حجج عقلية.
ولا يخفى أن السياسة تدخلت في تفسير النصوص المتعلقة بالإمامة بل إنها اخترعت نصوصا مضادة لها على ما سوف نبين، حيث راح كل كاتب يحوّر الأمر إلى جهته ويجيّره إلى ما ينسب مع أهوائه الساسية والمذهبية ناسياً عقاب الله في التحريف والتزوير، وملقياً وراءه حرية القلم والضمير.
وتحاول بعض الاتجاهات من القدماء والمعاصرين إثارة الشبهات حول فكرة الإمامة عند الشيعة، وذلك بهدف تقويضها والتشكيك في نشأتها لإيصال المسلمين إلى قناعة بأنها فكرة طارئة على الدين ومخترعة من قبل عناصر مدسوسة، وهذا يهدف إلى إشعال نار الفتنة بين الأطراف الإسلامية، وهذا ما ترفضه الشيعة من الأساس.
ولقد شغلت قضية الإمامة المسلمين من بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وشهرت السيوف وأريقت الدماء ودب الخلاف بين الأمة بسببها، وما كان كل ذلك يمكن أن يحدث لولا أن هناك انحرافا حدث عن خط الرسول صلى الله عليه وآله بدأ مع مرحلة السقيفة وانتهى بظهور الملكية على يد معاوية .
وجوهر الخلاف بين الشيعة وأهل السنة حول الإمامة إنما يكمن في موقف كل من الطرفين من آل البيت.
فموقف أهل السنة من آل البيت هو موقف عائم، فهم يعرفونهم بأنهم أزواج النبي وآل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس .
أما موقف الشيعة فهو موقف محدد يحصرهم في ذرية علي عليه السلام، ولديهم من النصوص ما يدعم هذا الموقف.
أما حصر آل البيت في ذرية علي وإيجاد خصوصية لهم بحكم النصوص فيفرض وجوب الإمامة عليهم وهو ما تقول به الشيعة، وهو ما ورد بالفعل عن رسول الله(ص) ونحن بالعمل بذلك نطيع الرسول الذي أمرنا الله تعالى بطاعته.
كما ويعتبر الشيعة أن الإمامة ضرورة كضرورة الرسل. فكما أن مهمة الرسل هي هداية أقوامهم وإرشادهم إلى الصراط المستقيم كذلك مهمة الإمام بالنسبة لقومه، فإذا مات النبي من دون أن يعيّن وصياً له فقد ترك الأمة في حيرة من أمرها، والرسول(ص) أجل من أن يترك الأمة التي شغلت بالع عبر عقود من الزمن، ولا شك بأن تعيين الإمام جاء بأمر من الله عز وجل، وهذا ما نصت عليه حادثة الغدير بكل وضوح.
والإمام هو وصي الرسول.. وما من رسول إلا وله وصي يكون حجة من على قومه من بعده كهارون بالنسبة إلى موسى.. وعلي بالنسبة إلى محمد صلى الله عليه وآله.
ونظرا لكون الرسول محمد هو خاتم المرسلين فالحاجة لوجود إمام من بعده أشد وأكثر ضرورة من حاجة الرسالات السابقة.
وإذا كان الله يرسل الرسل لأقوامهم لأجل هدايتهم وإصلاح معتقداتهم فيمكث الرسول فيهم إلى ما شاء الله حتى إذا توفي وطال على قومه الأمد، انحرف قومه وفسدت معتقداتهم مما يقتضي إرسال رسول جديد لهم..
فما هو الضمان الذي يحول دون انحراف أمة محمد من بعده وهم كبقية الأمم السابقة لا بد أن ينطبق حالها على حالهم؟
بمعنى أنه لو خلت الساحة بعد موت النبي من الخليفة الشرعي لتشرذمت الأمة وتشتتت معتقداتها وتفككت بعد أن كانت مجموعة في عهد النبي.
وأما إذا انحرفت الأمة مع وجود الوصي فهذا لا يعني الخلل في نظام الخلافة والهدف منها، بل الخلل في الناس الذين خيّرهم الله تعالى بين الهداية والضلال.
يجب أن نعلم أنه ليست مهمة الرسل هي هداية جميع الناس أو تحويلهم إلى ملائكة. فإن الرسول مهمته الأساسية هي البلاغ والسامع مخير بين أن يهتدي وأن يختار الضلالة.
وقد ذهب موسى لميقات ربه وترك هارون على قومه فعبدوا العجل ولم يستطع هارون أن يحول بين قوم موسى وبين عبادة العجل.
فإذا كان الناس يضلون في عهد الرسل أفلا يضلون في عهد الأوصياء.؟
وإذا كان الرسل لم يستطيعوا الحيلولة دون ضلال الناس فهل يستطيع الأئمة؟
إن الله سبحانه يقول: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)
ويقول (لست عليهم بمصيطر) وهي نصوص موجهة للرسول بهدف تبصيره بحقيقة موقف الجماهير من الدعوات الإلهية، فليس من سلطة الرسول إكراه الناس على الإيمان.
ولأجل ذلك فإن الذين اهتدوا واتبعوا الرسل هم قلة،وكذلك الأمر بالنسبة للوصي.
وهنا تبرز فكرة الإمامة وأهميتها.
إن دور الإمام إنما هو مكمل لدور الرسول ومتمم له. فقد يكون وسيلة لدخول أقوام آخرين في دين الله لم يدخلوا في حياة الرسول صلى الله عليه وآله. وقد يكون وسيلة لحسم الردة والخلاف من بعد الرسول. وهو سنة ثابتة تسير مع حركة الدعوات الإلهية وليست معصومة منه أمة محمد. وقد يكون وسيلة لتبصير الناس بحقيقة دينهم إلا أن ذلك كله ليس هو المهمة الأساسية للإمام. إنما مهمة الإمام الأساسية هي إقامة الحجة على الناس من بعد وفاة الرسول.
ولعل هذا هو المراد من قوله تعالى: (يوم ندعوا كل أناس بإمامهم..)
فهذا النص إنما هو موجه إلى الأقوام التي سوف تأتي بعد الرسول، حيث لا رسل ولا أنبياء وإنما يدعون إلى حقيقة الإسلام ويكونون حججا على الناس يوم البعث والحساب.
وقد جاء في الحديث: ” من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ” .
فكأن الإمام هو الفيصل بين الإسلام والجاهلية، فمن تبعه فقد دخل في حظيرة الإسلام ومن خالفه دخل حظيرة الجاهلية.
لقد نبت بعد الرسول أكثر من إسلام، وأكثر من حكومة، بالإضافة إلى آلاف الروايات، كل ذلك بهدف سد الفراغ الذي أحدثه غياب الإمام، أو بمعنى أدق تغييبه عن واقع الأمة.
فضرورة الإمامة هي ضرورة شرعية قبل أن تكون ضرورة عقلية حددها الرسول للأمة قبل وفاته.
يقول السيد شبر: إن ما ذكر في بيان الاضطرار إلى الرسل فهو بعينه جار في الاضطرار إلى أوصيائهم وخلفائهم، لأن الاحتياج إليهم غير مختص بوقت دون آخر، وفي حالة دون أخرى. ولا يكفي بقاء الكتب والشرائع من دون قيم لها عالم بها.
وبالجملة فإنك لا ترى فرقة من الفرق المحقة أو المبطلة إلا وهي تستند إلى كتاب الله بل وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وآله، وذلك لأن كتاب الله فيه المحكم والمتشابه والمجمل والمؤول والناسخ والمنسوخ، والسنة فيها ذلك أيضا مع وقوع الكذب والتحريف والتصحيف. هذا كله مع جهل أكثر الخلق بمعانيها وتشتت أهوائهم وزيغ قلوبهم.
فلا بد حينئذ لكل نبي مرسل بكتاب من عند الله عز وجل أن ينصب وصيا يودعه أسرار نبوته وأسرار الكتاب المنزل، ويكشف له مبهمه ليكون ذلك الوصي هو حجة ذلك النبي على أمته، ولئلا تتصرف الأمة في ذلك الكتاب بآرائها وعقولها، فتختلف وتزيغ قلوبها كما أخبر الله تعالى بذلك فقال: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم..) .
ولقد عمل خصوم آل البيت على تعويم فكرة الإمامة والتقليل من شأنها حتى تهون في أعين المسلمين وبالتالي تنتفي ضرورتها وتفقد أهميتها. وألصقوا الإمامة بكل من هب ودب من الناس واخترعوا الأحاديث التي توجب السمع والطاعة لهم.
يقول الشيخ جعفر السبحاني: إن رحلة النبي الأكرم أحدثت فراغا هائلا في مختلف المجالات المادية والمعنوية، ومقتضى لطفه سبحانه وعنايته بالعباد أن يملأ هذا الفراغ بإنسان يخلف النبي، ولا يقدر على ذلك إلا الإنسان المثالي الذي يكون له من الوعي والتربية والعلم والشجاعة مثل ما كان للنبي سوى كونه نبيا ذا شريعة ومتلقيا للوحي.
كان النبي صلى الله عليه وآله يقوم بمسؤوليات كثيرة تجمعها الأمور التالية:
– إدراة أمور الأمة في مختلف مجالاتها الحيوية: السياسية والاقتصادية والعسكرية والقضائية وغيرها مما تجمعها إدارة الحكومة.
– تفسير الكتاب العزيز وتوضيح مقاصده وبيان أهدافه وكشف أسراره.
– الإجابة عن الأسئلة الشرعية التي لها مساس بعمل المسلم في حياته من حيث الحلال والحرام.
– الرد على الشبهات والتشكيكات التي يلقيها أعداء الإسلام ويوجهونها ضده، فكان يرد عليها تارة بلسان الوحي المقدس وأخرى بلسان الحديث.
– صيانة الدين الإسلامي عن أي فكرة تحريفية، وعن أي دس في التعاليم.
ولا شك أن النبي كان يقوم بهذه المسؤوليات، وكان فقدانه وغيابه عن الساحة يلازم حدوث فراغ هائل في حياة الأمة لا يسد إلا بإنسان يتمتع بتلك الكفاءات عدا النبوة وتلقي الوحي.. والفراغ الأول وإن كان يملأ باختيار الإمام من جانب الأمة، لكن الفراغ الباقي لا يسد إلا بإنسان مثالي تربى في وضع خاص من العناية الإلهية.
تعيين الإمام عند الشيعة
إن للشيعة الإمامية الإثني عشرية عقيدة خاصة وواضحة تجاه تعيين الإمام حيث يرفض الشيعة فكرة الإنتخاب والتعيين من قبل الناس، لأن كل ما يتعلق بالرسالة، وكل أمر هو في الواقع أمر مصيري فلا بد أن يعود أمره إلى الله والرسول.
والنص إما يكون من الله تعالى، أو من رسوله(ص)، أو من إمام ثابتة إمامته بالنص.
أما العقل فيقول إن الناس في كل وقت محتاجون إلى عالم بكل ما كلف الله تعالى به عباده وجاء به الرسول من عنده من حلال وحرام.. ولأن نصب الإمام لطف واللطف واجب على الله عز وجل.
إن تعيين الإمام بالنص إنما يؤكد أهمية منصب الإمامة وضرورته وكونه مسألة شرعية في المقام الأول لا مجال لتدخل اجتهادات الناس فيها.
فالإمامة امتداد لمهمة الرسول ومرجع الأمة من بعده، فلا بد أن تكون منصوصا عليها من قبل الله تعالى أو من قبل رسوله أو من إمام ثبتت إمامته بالنص الصحيح.
ولأجل ذلك، أي لأجل عدم التزام المسلمين بالنص النبوي الوارد في حق الإمامة والخلافة، وقع الخلاف الكبير الذي ما زال قائماً حتى اليوم.
والعقل الذي يقول بأن الإمام الذي يلي أمر الأمة من بعد الرسول لا بد أن تتوافر فيه المؤهلات العلمية التي تؤهله لسد الفراغ الذي أحدثه غياب الرسول.
هذا العقل يحكم بأن الذين حكموا الأمة بعد الرسول لم يكونوا يملكون من هذه المؤهلات شيئا. وذلك بقليل من النظر في سيرة هؤلاء الحكام ومواقفهم وممارساتهم.
ومن هنا يتبين لنا أن الإمامة منصب اختصت به فئة معينة كانت تملك هذه المؤهلات. وأن هذه الفئة لا بد أن تكون محل قبول ورضا المسلمين. فالنص على إمامتهم لأجل توافر هذه المؤهلات فيهم يجعلهم محل رضا وقبول المسلمين.
يقول الدكتور علي شريعتي: الإمامة لدى الشيعة هي استمرار لإمامة محمد – دون نبوته – والإمامة عندهم هي بمعنى القدرة أي النموذج السامي للمدرسة والمنهج والانسان – القدوة – كذلك بمعنى القائد أي تواصل إمامة محمد.
إن نبوة محمد ختمت به، أما إمامته فبدأت به وانتهت في عترته (آل البيت).
إن فكرة الإمامة عند الشيعة لا تتناقض مع الشورى. فتعيين الإمام بالنص لا يعني الحجر على الشورى لأن الإمام لا يوحى إليه كما هو حال الرسول وهو لا يبلغ الأمة دينا جديدا وإنما يحافظ على الدين الذي ورثه من الرسول ويعبر عن صورته الحقيقية. هذه هي مهمته الأساسية التي لا ينازعه فيها أحد.
أما ما يتعلق بشؤون الناس وإدارة المجتمع فمجال الاجتهاد فيها مفتوح والشورى فيها واردة.
فليس هناك من ينكر أن الشورى كانت مطروحة في حياة الرسول المعصوم والرسول هو أعلى من الإمام.
وإذا كانت مهمة الإمام هي الحفاظ على الدين وإقامة الحجة على الناس بنصوصه، فإن من بين نصوصه ما يحض على الشورى.
إمامة علي(ع)
ترتكز قضية الإمامة على النص والعقل كما ذكرنا. وتطبيق هذين الأمرين يكون في الأساس على الإمام علي، فهو الذي تدور حوله جميع نصوص الإمامة. وبانطباق هذه النصوص عليه تنهض فكرة الإمامة باعتباره الإمام الأول من بعد الرسول فهو وصيه، والأئمة من بعده إنما يستمدون درجتهم منه.
وعلى قدر المكانة الشرعية للإمام علي تكون مكانة الأئمة التالين له، فمن ثم يتركز الحديث دائما حول نصية الإمامة على الإمام علي وحده.
وعندما تثبت بالنصوص إمامة علي تثبت بالتالي إمامة الآخرين، ومن جهة أخرى تبطل إمامة الآخرين.
والشيعة عندما تعتقد أن عليا هو الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله إنما يقودها إلى هذا الاعتقاد النصوص، فالشيعة في الأصل تتعبد بالنصوص لا بأقوال الرجال.
إن النصوص الدالة على إمامة علي ووجوب الإمامة وكونها أصلا من أصول الدين عند الشيعة أكثر من أن تحصى،
ومن تلك النصوص قوله تعالى(إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)
ومنها: قوله سبحانه(يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)
وهذا النص نزل على الرسول صلى الله عليه وآله في حجة الوداع حيث أمر بإبلاغ الأمة ولاية علي على ما أجمعت على ذلك الروايات .
ومنها قوله سبحانه(الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)
وهذا النص يوجب على المؤمنين مودة قرابة الرسول، ولا شك أن وجوب مودتهم ينتج عنه وجوب طاعتهم كأئمة للهدى، ولا إشكال في ذلك.
ومنها قوله تعالى(فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)
عصمة الإمام
تنبع فكرة العصمة عند الشيعة من فكرة الوصية. فالرسول المعصوم لا يوصي إلا لمعصوم مثله. ومثلما مهمة الرسول تحتاج إلى عصمة كذلك مهمة الإمام التي هي امتداد لمهمته تحتاج لعصمة.
ولو لم يكن الإمام معصوما لتساوى مع بقية الناس، ولما كانت هناك حاجة لوصيته وهو في هذه الحالة لن ينجح في حفظ الدين وإقامة الحجة على الناس.
إن الإيمان بتميز الإمام ” علي ” على الآخرين سوف يقود إلى الإيمان بالوصية. والإيمان بالوصية سوف يقود إلى الإيمان بالعصمة.
يقول العلامة الحلي: ذهبت الإمامية إلى أن الأئمة كالأنبياء في وجوب عصمتهم عن جميع القبائح والفواحش. من الصغر إلى الموت عمدا أو سهوا، لأنهم حفظة الشرع والقوامون به حالهم في ذلك حال النبي ولأن الحاجة إلى الإمام إنما هي للانتصاف من المظلوم عن الظالم. ورفع الفساد وحسم مادة الفتن. وأن الإمام لطف يمنع القاهر من التعدي، ويحمل الناس على فعل الطاعات واجتناب المحرمات ويقيم الحدود والفرائض ويؤاخذ الفساق ويعزر من يستحق التعزير. فلو جازت عليه المعصية وصدرت عنه انتفت هذه الفوائد وافتقر إلى إمام آخر وتسلسل.
إن العصمة ترتبط بنوع الدور والمهمة الملقاة على عاتق الإمام. ولما كان دور الإمام ومهمته تتطلب وجود مواصفات خاصة حتى يمكن القيام بها فمن ثم كانت العصمة ضرورة لا بد منها للإمام تدفع الجماهير إلى الثقة به والتلقي منه ولزوم الطاعة له وتحول دون منازعته من قبل الأدعياء.
يقول الشيخ جعفر السبحاني: إن الإجابة عن الأسئلة الشرعية على وجه الحق وتفسير القرآن على الصحيح وتفنيد الشبهات على وجه يطابق الواقع وصيانة الدين عن أي تحريف لا يحصل إلا بمن يعتصم بحبل العصمة ويكون قوله وفعله مميزين للحق والباطل.. نعم إن الإنسان الجليل ربما يملأ هذا الفراغ ولكن لا بصورة تامة جدا، ولأجل ذلك نرى أن الأمة افترقت في الأصول والفروع إلى فرق كثيرة يصعب تحديدها وتعدادها، فلأجل هذه الأمور لا محيص عن وجود إنسان كامل عارف بالشريعة، أصولها وفروعها، عالم بالقرآن واقف على الشبهات وكيفية الإجابة عنها، قائم على الصراط السوي ليرجع إليه من تقدم على الصراط ومن تأخر عنه. هذا يقتضي كون الإمام منصوبا من جانبه سبحانه معصوما بعصمته.
ويقول السيد محسن الأمين: قوله تعالى خطابا لإبراهيم: (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) غير المعصوم ظالم لنفسه فلا ينال عهد الإمامة الذي هو من الله تعالى. وأنه يجب أن يكون أفضل أهل زمانه وأكملهم لأن تقديم المفضول على الفاضل قبيح.
العدل
عقيدة الشيعة في العدل
إنّ من صفاته تعالى الثبوتية الكمالية أنّه عادل غير ظالم، فلا يجور في قضائه، ولا يحيف في حكمه؛ يثيب المطيعين على الطاعات التي قدموها في دار العمل(الدنيا)، وله أن يجازي العاصين، ولا يكلِّف الله عباده ما لا يطيقون، ولا يعاقبهم زيادة على ما يستحقّون.
ونعتقد: أنّ الله سبحانه لا يترك الحسن عند عدم المزاحمة، ولا يفعل القبيح؛ لاَنّه تعالى قادر على فعل الحسن وترك القبيح، مع فرض علمه بحسن الحسن، وقبح القبيح، وغناه عن ترك الحسن وعن فعل القبيح، فلا الحسن يتضرّر بفعله حتى يحتاج إلى تركه، ولا القبيح يفتقر إليه حتى يفعله. وهو مع كل ذلك حكيم؛ لا بدّ أن يكون فعله مطابقاً للحكمة، وعلى حسب النظام الاَكمل.
فلو كان يفعل الظلم والقبح ـ تعالى عن ذلك ـ فانّ الأمر في ذلك لا يخلو عن أربع صور:
1 ـ أن يكون جاهلاً بالأمر، فلا يدري أنّه قبيح.
2 ـ أن يكون عالماً به، ولكنّه مجبور على فعله، وعاجز عن تركه.
3 ـ أن يكون عالماً به، وغير مجبور عليه، ولكنه محتاج إلى فعله.
4 ـ أن يكون عالماً به، وغير مجبور عليه، ولا يحتاج إليه، فينحصر في أن يكون فعله له تشهّياً وعبثاً ولهواً.
وكل هذه الصور محال على الله تعالى، وتستلزم النقص فيه وهو محض الكمال، فيجب أن نحكم أنه منزَّه عن الظلم وفعل ما هو قبيح.
القضاء والقدر عند الشيعة
ذهب قوم الى انه تعالى هو الفاعل لافعال المخلوقين، فيكون قد اجبر الناس على فعل المعاصي، وهو مع ذلك يعذبهم عليها، واجبرهم على فعل الطاعات ومع ذلك يثيبهم عليها؛ لانهم يقلون: ان افعالهم في الحقيقة افعاله، وانما تنسب اليه الطبيعة بين الاشياء، وانه تعالى هو السبب الحقيقي لا سبب سواه.
وقد انكروا السببية الطبيعية بين الاشياء؛ اذ ظنوا ان ذلك هو مقتضى كونه تعالى هو الخالق الذي لا شريك له، ومن يقول بهذه المقالة فقد نسب الظلم اليه، تعالى عن ذلك.
وذهب قوم آخرون الى انه تعالى فوض الافعال.
ولا يخفى على من تتبع كتب الامامية انهم يبطلون الجبر خلافا للاشاعرة، كما يبطلون التفويض خلافا للمعتزلة، فقد روي عن الامام ابي الحسن علي بن محمد الهادي عليه السلام انه سئل عن افعال العباد فقيل له: هل هي مخلوقة لله تعالى ؟ فقال عليه السلام: (لو كان خالقا لها لما تبرأ منها وقد قال سبحانه (إن الله بريء من المشركين ورسوله) ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم وانما تبرأ من شركهم وقبائحهم).
إلى المخلوقين، ورفع قدرته وقضاءه وتقديره عنها، باعتبار أنّ نسبة الأفعال إليه تعالى تستلزم نسبة النقص إليه، وأنّ للموجودات أسبابها الخاصة، وإن انتهت كلُّها إلى مسبِّب الأسباب والسبب الأول، وهو الله تعالى.
ومن يقول بهذه المقالة فقد أخرج الله تعالى من سلطانه، وأشرك غيره معه في الخلق.
واعتقادنا في ذلك تبع لما جاء عن أئمتنا الأطهار عليهم السلام من الأَمر بين الأمرين، والطريق الوسط بين القولين، الذي كان يعجز عن فهمه أمثال أولئك المجادلين من أهل الكلام، ففرَّط منهم قوم وأفرط آخرون، ولم يكتشفه العلم والفلسفة إلاّ بعد عدة قرون.
وليس من الغريب ممَّن لم يطّلع على حكمة الأَئمّة عليهم السلام وأقوالهم أن يحسب أنّ هذا القول ـ وهو الأمر بين الاَمرين ـ من مكتشفات بعض فلاسفة الغرب المتأخرين، وقد سبقه إليه أئمتنا قبل عشرة قرون.
فقد قال إمامنا الصادق عليه السلام لبيان الطريق الوسط كلمته المشهورة: «لا جبر ولا تفويض،ولكن أمر بين أمرين»
عقيدتنا في البداء
البداء في الانسان: أن يبدو له رأي في الشيء لم يكن له ذلك الرأي سابقاً، بأن يتبدَّل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصنعه؛ إذ يحدث عنده ما يغيِّر رأيه وعلمه به، فيبدو له تركه بعد أن كان يريد فعله، وذلك عن جهل بالمصالح، وندامة على ما سبق منه.
والبداء بهذا المعنى يستحيل على الله تعالى. لاَنّه من الجهل والنقص، وذلك محال عليه تعالى، ولا تقول به الامامية.
قال الصادق عليه السلام: «مَن زعم أنّ الله تعالى بدا له في شيء بداء ندامة فهو عندنا كافر بالله العظيم»
وقال أيضاً: «من زعم أن الله بدا له في شيء ولم يعلمه أمس فأبرأ منه»
غير أنّه وردت عن أئمتنا الأطهار عليهم السلام روايات توهم القول بصحة البداء بالمعنى المتقدِّم، كما ورد عن الصادق عليه السلام: «ما بدا لله في شيء كما بدا له في اسماعيل ابني»
عقيدتنا في البعث والمعاد
نعتقد: أنّ الله تعالى يبعث الناس بعد الموت في خلق جديد في اليوم الموعود به عباده، فيثيب المطيعين، ويعذِّب العاصين.
وهذا أمر على جملته وما عليه من البساطة في العقيدة اتّفقت عليه الشرائع السماوية والفلاسفة، ولا محيص للمسلم من الاعتراف به عقيدة قرآنية جاء بها نبينا الاَكرم صلّى الله عليه وآله وسلم؛ فإنّ من يعتقد بالله اعتقاداً قاطعاً، ويعتقد كذلك بمحمَّد رسولاً منه أرسله بالهدى ودين الحق، لا بدَّ أن يؤمن بما أخبر به القرآن الكريم من البعث، والثواب والعقاب، والجنة والنعيم، والنار والجحيم، وقد صرَّح القرآن بذلك، ولمَّح إليه بما يقرب من ألف آية كريمة.
وإذا تطرَّق الشك في ذلك إلى شخص فليس إلاّ لشك يخالجه في صاحب الرسالة، أو وجود خالق الكائنات أو قدرته، بل ليس إلاّ لشك يعتريه في اصل الاَديان كلّها، وفي صحّة الشرائع جميعها.
المعاد الجسماني
وبعد هذا، فالمعاد الجسماني ـ بالخصوص ـ ضرورة من ضروريات الدين الاسلامي، دلَّ صريح القرآن الكريم عليها (أَيَحْسَبُ الاِِنسـنُ ألَّن نَّجمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قـدِرينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانُه) (وَإن تَعجَبْ فَعَجَبٌ قَولُهُم أَإذا كُنّا تُراباً أَءِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ) (أَفَعَيِينَا بِالخَلقِ الاَوَّلِ بَلْ هُمْ في لَبسٍ من خَلقٍ جَدِيدٍ)
وهناك الكثير من الآيات التي تشير إلى هذا المعنى بشكل محكم وصريح.
وما المعاد الجسماني ـ على إجماله ـ إلاّ اعادة الانسان في يوم البعث والنشور ببدنه بعد الخراب، وإرجاعه إلى هيئته الاولى بعد أن يصبح رميماً.
ولا يجب الاعتقاد في تفصيلات المعاد الجسماني أكثر من هذه العقيدة على بساطتها التي نادى بها القرآن، وأكثر ممّا يتبعها من الحساب والصراط، والميزان والجنة النار، والثواب والعقاب بمقدار ما جاءت به التفصيلات القرآنية.
وإذا لزم الاعتقاد بالجنة والنار لا تلزم معرفة وجودهما الآن، ولا العلم بأنّهما في السماء أو الاَرض، أو يختلفان.
وكذا إذا وجبت معرفة الميزان لا تجب معرفة أنّها ميزان معنوية، أو لها كفّتان.
ولا تلزم معرفة أنّ الصراط جسم دقيق، أو هو الاستقامة المعنوية.
والغرض أنّه لا يشترط في تحقيق الاسلام معرفة أنّها من الاجسام.
نعم، إنّ تلك العقيدة في البعث والمعاد على بساطتها هي التي جاء بها الدين الاسلامي، فاذا أراد الانسان أن يتجاوزها إلى تفصيلها بأكثر ممّا جاء في القرآن ليقنع نفسه دفعاً للشبه ـ التي يثيرها الباحثون والمشككون بالتماس البرهان العقلي أو التجربة الحسية ـ فانّه إنّما يجني على نفسه، ويقع في مشكلات ومنازعات لا نهاية لها.
وليس في الدين ما يدعو إلى مثل هذه التفصيلات التي حشدت بها كتب المتكلِّمين والمتفلسفين، ولا ضرورة دينية ولا اجتماعية ولا سياسية تدعو إلى أمثال هاتيك المشاحنات والمقالات المشحونة بها الكتب عبثاً، والتي استنفدت كثيراً من جهود المجادلين وأوقاتهم وتفكيرهم بلا فائدة.
والشبه والشكوك التي تُثار حول تلك التفصيلات يكفي في ردّها قناعتنا بقصور الانسان عن إدراك هذه الاُمور الغائبة عنّا، والخارجة عن أفقنا ومحيط وجودنا، والمرتفعة فوق مستوانا الاَرضي، مع علمنا بأنّ الله تعالى العالم القادر أخبرنا عن تحقيق المعاد ووقوع البعث.
وعلوم الانسان وتجريباته وأبحاثه يستحيل أن تتناول شيئاً لا يعرفه ولا يقع تحت تجربته واختباره إلاّ بعد موته وانتقاله من هذا العالم عالم الحس والتجربة والبحث، فكيف ينتظر منه أن يحكم باستقلال تفكيره وتجربته بنفي هذا الشيء أو إثباته؟ فضلاً عن أن يتناول تفاصيله وخصوصياته، إلاّ إذا اعتمد على التكهّن والتخمين، أو على الاستبعاد والاستغراب، كما هو من طبيعة خيال الانسان أن يستغرب كل ما لم يألفه ولم يتناوله علمه وحسّه، كالقائل المندفع بجهله لاستغراب البعث والمعاد (مَن يُحيي العِظَـمَ وَهَيَ رَميمٌ).
ولا سند لهذا الاستغراب إلاّ إنّه لم يرَ ميتاً رميماً قد اُعيدت له الحياة من جديد، ولكنّه ينسى هذا المستغرب كيف خُلقت ذاته لاَول مرة، ولقد كان عدماً، وأجزاء بدنه رميماً تألّفت من الاَرض وما حملت، ومن الفضاء وما حوى، من هنا وهنا، حتى صار بشراً سوياً ذا عقل وبيان (أَوَ لَمْ يَرَ الاِِنسـنُ أَنَّا خلقنه مِن نُطفَةٍ فَإذَا هُو خَصِيمٌ مُبينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسي خَلقَهُ).
يقال لمثل هذا القائل الذي نسي خلق نفسه: (يُحييِها الَّذِي أَنشَأَهَا أَوّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِ خَلقٍ عَليمٌ)
يقال له: إنّك بعد أن تعترف بخالق الكائنات وقدرته، وتعترف بالرسول وما أخبر به، مع قصور علمك حتى عن إدراك سرَّ خلق ذاتك وسر تكوينك، وكيف كان نموّك وانتقالك من نطفة لا شعور لها ولا إرادة ولا عقل إلى مراحل متصاعدة مؤتلفاً من ذرات متباعدة؛ لتبلغ بشراً سوياً عاقلاً مدبّراً ذا شعور وأحساس
يقال له: بعد هذا كيف تستغرب أن تعود لك الحياة من جديد بعد أن تصبح رميماً، وأنت بذلك تحاول أن تتطاول إلى معرفة ما لا قِبل لتجاربك وعلومك بكشفه؟
يقال له: لا سبيل حينئذ إلاّ أن تذعن صاغراً للاعتراف بهذه الحقيقة التي أخبر عنها مدبّر الكائنات العالم القدير، وخالقك من العدم والرميم.
وكلّ محاولة لكشف ما لا يمكن كشفه، ولا يتناوله علمك فهي محاولة باطلة، وضرب في التيه، وفتح للعيون في الظلام الحالك.
إنّ الانسان مع ما بلغ من معرفة في هذه السنين الاَخيرة، فاكتشف الكهرباء والرادار واستخدم الذرّة، إلى أمثال هذه الاكتشافات التي لو حُدِّث عنها في السنين الخوالي لعدَّها من أوّل المستحيلات، ومن مواضع التندّر والسخرية. إنّه مع كل ذلك لم يستطع كشف حقيقة الكهرباء ولا سر الذرّة، بل حتى حقيقة احدى خواصهما وأحد أوصافهما، فكيف يطمع أن يعرف سر الخلقة والتكوين، ثم يترقّى فيريد أن يعرف سرَّ المعاد والبعث.



